فيديو| تحدي الكهرباء.. آخر تضحيات “الأسطى ليلى” في صراع “لقمة العيش”

فيديو| تحدي الكهرباء.. آخر تضحيات “الأسطى ليلى” في صراع “لقمة العيش”

اعتاد أهالي قرية البرج بمركز ناصر، شمالي محافظة بني سويف، رؤية سيدة في الأربعينات من عمرها تسير في شوارع القرية، حاملة على كتفها سلما خشبيا وفي يدها حقيبة من الصفيح يسمع داخلها ضجيج مكتوم، تسير في ثبات وثقة بملابسها الأقرب للملابس الريفية، تلقي أحيانا التحيات على بعض الأشخاص الذين تصادفهم في طريقها، ليردوا عليها “صباح الخير ياسطى ليلى”.

الأسطى ليلى

ليلى محمد محمود، 42 عاما، أو “الأسطى ليلى” أول سيدة في بني سويف تعمل “صنايعي كهرباء”، لم تثبت فقط أن المرأة يمكن أن تعمل في مهن الرجال الصعبة، ولكن أثبتت تفوقها عليهم في هذه المهنة، لدرجة غيرة زملائها الرجال منها بسبب إقبال الأهالي عليها أكثر منهم، في مهنة ألجأتها إليها ظروف الفقر والطلاق ورحيل الوالد.

في منزلها المتواضع، بدأت الأسطى ليلى في سرد قصتها بينما كانت تعكف على إصلاح مروحة، ممسكة بسلوك الكهرباء المتدلية منها، وأمامها “شنطة العدة” التي تلتقط منها الأدوات كل فترة.

الأسطى ليلى تمارس عملها

أول التضحيات

“منذ طفولتي كنت زى أي بنت بتحلم تكبر وتتخرج وتكون مدرسة لأنني كنت أهوى التدريس جدا، لكن شاء القدر أن يصاب والدي الموظف في الصحة بمرض خطير أقعده عن العمل، فقررت ترك التعليم وأنا في الصف السادس الابتدائي لأساعده” تقول ليلى بينما كانت “تبرم” أحد الأسلاك باستخدام “بنسة الكهرباء.

وتواصل الحديث وهي منهمكة في العمل دون حتى أن تلتفت بنظرها إلينا “كان لدي 3 شقيقات وشقيقين ذكور، وجميعهم كانوا في المدرسة، ورغم أنني كنت أوسطهم إلا أنني فضلت التفرغ لشئون المنزل ومراعاة المواشي والأرض بدلا من أمي التي كانت مشغولة دائما مع والدي بين المستشفيات لرعايته”.

الأسطى ليلى تمارس مهنتها فى أصلاح الكهرباء

وبعد سنوات من قيامها بواجبها على أكمل وجه، بدأ والدها في التعافي وحاول رد الجميل لها بأن عرض عليها العودة للتعليم مرة أخرى لكن “فضلت الاستمرار في مساعدة والدتي وعدم ترك المسؤولية كلها على عاتقها”.

وطوال سنوات ظلت “ليلى” ترعى والديها وأشقائها وتقوم بأعمال المنزل والأرض دون تذمر “حتى عندما حصل أشقائي على شهادات لم اشعر بأنني اقل منهم” إلى أن طلب يدها أحد الأشخاص.

بدأت ليلى تستعد للانتقال إلى بيت الزوجية وتحلم بحياة هانئة مع شريك حياتها كأي فتاة، بعد أن قامت بواجبها مع أسرتها على أكمل وجه، لكن ولظروف تتحفظ على ذكرها لم تستمر الزيجة طويلا، لتنفصل عن زوجها وهي حامل في ابنتها ياسمين، لتعود مجددا إلى بيت والدها.

رحلة الكفاح

“بعد عودتي لمنزل أبي وضعت ابنتي ياسمين، ولم يقصر أبي معنا، واستمر في الإنفاق علي وعلى ابنتي، بكل حب إلى أن توفاه الله بعد سنوات، تاركا لي معاش 500 جنيه، لا يكاد يكفي الطعام والشراب فقط” تقول ليلى، مشيرة هنا إلى نقطة التحول في حياتها.

تشرح ليلى كيف جاءتها فكرة العمل صنايعي كهرباء قائلة “منذ صغري وأنا أرعى منزلنا وكنت أقوم بإصلاح اي شيء فيه، لاسيما الأدوات الكهربائية، فوجدت أنني أستطيع العمل في هذا المجال” لتعرض الفكرة على أشقائها الذين لم يبدوا اعتراضا على هذه المهنة رغم غرابتها على سيدة.

بدأت ليلى “الأم وربة المنزل” في الترويج لليلى “الأسطى” بنشر فكرتها بين الجيران وأهالي القرية، حيث تستقبل الزبائن في منزلها وتخرج معهم إلى منازلهم لإصلاح الأعطال أو إصلاحها في منزلها بالنسبة للأجهزة البسيطة، حتى ذاع صيتها كصنايعي ماهر تجيد إصلاح جميع الأعطال.

ملح الحياة

“بالطبع واجهت صعوبات في بدايتي مع هذه المهنة، كالسخرية كوني امرأة وأعمل كهربائي” تقول ليلى، مشيرة إلى أن السخرية منها زادتها تحديا وقوة على كسر العادات والتقاليد، “حتى أجبرت الناس على احترامي وأصبحت أشهر أسطى كهرباء في القرية”.

ولم تتقن الأسطى ليلى مهنة الكهرباء فقط، بل أصبحت خدماتها مطلوبة للزبائن أكثر من الصنايعية الرجال بسبب “أنني امرأة ومن السهل أن أدخل أي منزل في القرية دون حرج وهو ما جعل بعض زملاء المهنة يتشاجرون معي أحيانا”.

10 أعوام قضتها ليلى في العمل صنايعي كهرباء، ورغم ذلك لا تزال “ظروفي صعبة والمعيشة غالية، وبسبب فقري لم أستطع أن أدخل ابنتي المرحلة الثانوية والتحقت بالتعليم الفني رغم مجموعها الكبير في الإعدادية” فضلا عن أنها مريضة وتحتاج إلى علاج دائم لا تستطيع تحمل نفقاته.

“أتمنى من الجمعيات الأهلية أو المحافظ أن يساعدوني بفتح ورشة بها مستلزمات الكهرباء وقطع الغيار لتوفير الوقت والجهد” مؤكدة استمرارها في مهنتها وفخرها بها، مختتمة بقولها “الشغل مش عيب ولا حرام لكن العيب إن الواحدة تمد ايديها”

الوسوم