القبائل العربية في بنى سويف.. عزلة حضارية ومشكلات اجتماعية ترفضها دولة القانون

القبائل العربية في بنى سويف.. عزلة حضارية ومشكلات اجتماعية ترفضها دولة القانون

تضم التركيبة السكانية لمحافظة بني سويف عددا من القبائل التي يعود نسب بعضها إلى أصل عربي، حيث لا تزال هذه القبائل تعتمد فيما بينها على العرف القبلي، ليشكل ثقافتها واقانونها الوحيد، بما يتعرض أحيانا مع المواثيق الدولية بل والقانون المصري نفسه وأحيانا الشريعة الإسلامية نفسها، حيث تتمثل أبرز مشكلات القبائل العربية في بني سويف في ظاهرة الزواج المبكر وحرمان المرأة من الميراث وعدم التزاوج بين القبائل العربية والأخرى الأفريقية، بما يؤدي في النهاية لحالة من العزلة تعيشها هذه القبائل عن الطبيعة الحضرية للمحافظة.

 

الشيخ ناصر الجبل، شيخ قبيلة السماعنة، ومسقط رأسها محافظة قنا، كبير القبائل بالجبل الغربى من سمسطا حتى الفشن، يقول لـ”السوايفة” إن كل قبيلة لها تقالديها والعرف الخاص بها كقبيلة “نجع ابو معيدة” فإنها لاتجوز أبنائها خارج القبيلة، وبالتالى لا تقوم بالمصاهرة مع الفلاحين، ولكن العادات فى هذه القبائل تطورت مع الجيل الجديد كتعليم الفتاه وزواجها فى السن القانوني، بالإضافة إلى حصولها على الميراث لأنه حقها الشرعى ولا يوجد من يعمل بالتقاليد والعادات القديمة إلا نسبة ضئيلة قد تصل إلى 10%، بالإضافة إلى القضايا الأخرى فى حل المنازعات وإذا لم يتم الاتفاق على حل عرفي يكون الحل لمؤسسات الدولة الرسمية من القضاء والشرطة، خصوصا فى قضايا الثأر التي لابد أن يكون فيها الشق الأمنى وليست الاحكام العرفية وحدها.

العرف القبلي

وحول هذا يعقب مصدر أمنى رفيع المستوى، رفض ذكر اسمه، بأن المنظومة الأمنية تتعامل مع كل القبائل فى الشق الجنائى بحسب القانون لأن الكل سواسية أمام القانون ويتم محاسبة كل من يخطئ أو يتسبب فى ترويع أو تهديد حياة المواطنين، حيث تم تنظيم حملات كثيرة على المناطق الجبلية وتم ضبط عناصر منهم، كالمتهم بالاعتداء على ضابط شرطة وإطلاق النار عليه، حيث تم ضبطه مختبئا فى الجبل، وإذا حدث شى من أشخاص تنتمى لإحدى القبائل يتم القبض عليهم والتعامل معهم جنائيا، أما مايتعلق بحياتهم من عرف وتقاليد فلا دخل للأمن فى ذلك.

وتشير سمية كويس، رئيسة رابطة محاميات بنى سويف، إلى أن حل المشكلات الخاصة بالعرب عن طريق الأحكام العرفية يعتبر ميزة، لأنه سيعود على المجتمع بالنفع وعدم تزاحم المحاكم بالقضايا، ولكن توجد عادات غير صحيحة بين العرب، كالزواج المبكر دون السن القانونى، مما يدخلنا فى مشكلات قانونية عقب ذلك إذا حدث خلاف بين الزوجين فلا تستطيع الزوجة اللجوء الى المحكمة لعدم وجود وثيقة زواج قانونية.

وتضيف “كويس” أن من العادات السيئة ايضا عدم الموافقة على زواج الفتاة العربية لغير العربى مما أدى إلى ارتفاع نسبة العنوسة، ويجعلنا نعود للعصر الجاهلى، على حد قولها، لأن هذا التصرف بمثابة وأد البنات، أى ليس لها الحرية فى الاختيار، مؤكدة أن الرابطة تبنت بعض المشكلات من هذا القبيل كالزواج المبكر وختان الإناث لتحجيم هذه العادات، وأن الرابطة ستساعد فى المرحلة المقبلة بالتوعية الاجتماعية لهذه العادات السيئة وتحيلها إلى عمل مثمر ونافع للمجتمع.

القبلية والتعارض مع الوطنية

ويقول الدكتور جمال عبد المطلب، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنى سويف، إن القبيلة قد تتعارض مع الوطنية إذا أسئ استخدامها، فالإسلام جاء لينهى عن التعصب القبلي، والإنسان يجب أن يقيّم لذاته لا لقبيلته، ويجب أن نلغي مفهوم القبيلة من قاموسنا اللغوي لارتباطها بمفاهيم التعصب والتطاحن، التي يجب إزاحتهما عن المجتمع لتحل محلهما مفاهيم المواطنة والانتماء وتقديم الصالح العام على المصالح القبلية وسيادة القانون بدلا من سيادة الأحكام العرفية.

ويضيف أستاذ علم الاجتماع أن محافظة بني سويف من المحافظات الجنوبية، التي تقع في جنوب الوادي وتعد أولى محافظات الصعيد، وبحسب طبيعتها الجغرافية والديمجرافية تنتشر فيها النزعة القبلية، ولعل أهم ما يميز تلك النزعة هي الاعتماد على نمط الزواج الداخلي أي من داخل القبائل والعائلات، وسيطرة الأفكار القبلية الخاصة بتفضيل الذكور على الإناث ويظهر ذلك جليا في محاولات عدة للتحايل حتى على الميراث بدعوى عدم الرغبة في تفتيته، كما يسود تفضيل الابن الأكبر (البكري) باعتباره خليفة الأب في الأسرة وعميدا للعائلة من بعده.

زواج التصادق

ويتابع “عبد المطلب” بأن أبرز سلبيات تلك النعرة القبلية هي اقتصار معاني الشرف وإلصاقها بالفتاة دون الولد مما يترتب عليه عدم تعليم البنات والاكتفاء بتدريبهن على العمل المنزلي لتأهيلها للزواج، أو الاكتفاء بإلحاق الفتيات بالتعليم الابتدائى فقط، أو إلحاقهن بالتعليم الأزهري حتى المرحلة الإعدادية فقط، وكذلك تزويج الفتيات من أبناء العمومة أو من داخل العائلة القبلية أو من داخل البلد أو القرية على أسوأ الفروض وهن فى سن صغيرة وقبل السن القانونية، مما زاد من نسب زواج القاصرات في الريف السويفي، ويظهر ذلك جليا في زيادة نسب المصادقات المقدمة لمحكمة الأسرة ببني سويف، التي بلغت حتى هذا العام 23 الف مصادقة، بالإضافة إلى سيادة أفكار العصبية وسيادة المنازعات الثأرية، خاصة في قرى شرق النيل وإهناسيا المدينة.

ويؤكد أستاذ علم الاجتماع أنه في ظل مرحلة الانفلات الأمني التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011، زادت سيادة القبلية على الدولة في بعض قرى بني سويف، التي دخلت في حالة انغلاق ثقافي وفكري وتوريث القيم والافكار المتوارثة عن الأجداد، التي تحض على القوة كمعيار للحكم على القبائل وتحديد مكانتها داخل المجتمع الثقافي، ناهيك عن عدم مسايرة التطور الحضاري والثقافي مما زاد من نسب التسرب من التعليم وخاصة بين الفتيات.

بينما تؤكد نرمين محمود، مقررة المجلس القومى للمرأة ببنى سويف، أن المجلس يتبنى مبادرة لمناهضة زواج القاصرات بالاشتراك مع جمعيات أهلية والمجتمع المدنى للحد من هذه الظاهرة، لأنها تدخل تحت مسمى الإتجار بالبشر، وتم تنظيم ندوات فى ثلاث قرى (السعادنة، حاجر بنى سليمان، أهوة) كما أن المجلس يطالب لجنة الخمسين بالإبقاء على المادة الخاصة بتحديد سن الزواج للفتاة عند سن 18 ويتم معاقبة والدها عند مخالفة ذلك لأن الزواج المبكر أدى الى انتشار زواج التصادق التى نتج عنه مشاكل اجتماعية للزوجين لأنه لا يضمن حقوق الاثنين معا والطفل أيضا، مطالبة أيضا بالتوعية للقبائل التى تتبنى ظاهرة الزواج المبكر وعرض الآثار السلبية المترتبة على ذلك.

 

نارمين محمود مقررة المجلس القومى للمراة
سمية كويس رئيس رابطة محاميات بنى سويف
الدكتور جمال عبد المطلب