تمثل ظاهرة الثأر مشكلة تعانيها مجتمعاتنا منذ القدم علي الرغم مما وصلنا إليه من تقدم وتطور في مختلف نواحي الحياة، إلا أنها مازالت تعاني من هذه الظاهرة التي تهدد أمنها!

فما هو الثأر؟ وماهي أسبابه؟ وفيما تتمثل ثقافة الثأر وخصائصه؟ وكيف يمكن التعافي من هذه الظاهرة؟

قبل التطرق لظاهرة الثأر، ينبغي أن نفرق أولا بين القصاص والثأر.. حيث نجد أن جميع الأديان السماوية قد أقرت القصاص العادل ونستشهد علي ذلك بقوله تعالي “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب” بمعني أن القصاص مطلوب شرعا من الناحية القانونية والدينية.

أما ظاهرة الثأر؛ فهي نتيجة وليست سببا، لأن فعل القتل الذي يحدث بين الناس بشكل غير مقصود لأسباب عديدة منها المشاجرات علي أشياء لا قيمة لها ومشاحنات عادية ! وإن دل ذلك فإنما يدل علي تفاهة هؤلاء الأشخاص ورجعية تفكيرهم، لكن هذه المشاجرات تؤدي إلي إفناء أرواح لا ذنب لها، فإن رد الفعل الذي نطلق علية الثأر يحدث بشكل مقصود وهو في حد ذاته انتقام، ولكن غالبا ما يتجاوز الطرف المنتقم حدود الاعتداء عليه ويكون ذلك سببا في انتقام جديد من الطرف الآخر، ويستمر بنا الحال دون أن نُدرك أننا في حلقة مفرغة!

وفيما يتعلق بأسباب الثأر، فهناك أسباب عديدة تدل علي رجعية من يقومون به وضعف إيمانهم  لدرجة أننا  وصلنا إلي درجة كيف نخطط وننتقم من بعضنا البعض وتناسينا أصول المشكلة التي كان من الممكن حلها بتصرف حكيم أو كلمة طيبة! لكننا فضلنا السير في طريق وقوده أرواح أُناس أبرياء.. وتتمثل أسباب الثأر في قلة الوعي بأضرار ومخاطر هذه الكارثة التي تحصد الارواح دون رحمة، وأيضا انتشار ظاهرة السلاح في بعض المناطق وتداوله في يد الكبير والصغير، وصدور  أحكام غير رادعة من قبل المحاكم وتعثر تنفيذ الأحكام في بعض الأحيان مما يكون مدعاة للأخذ بالثأر وتشجيعا له ! ولا ننسي دور العصبية في هذه الظاهرة وانتشار بعض العادات والتقاليد السيئة.

أما فيما يتعلق بثقافة الثأر وخصائصه، فنجد أن ظاهرة الثأر عملية انتقامية عشوائية ونتيجة للجهل الذي نعيشه والمترتب عن البعد عن الله ، أصبحت مجتمعاتنا أرض خصبة لهذه  الظاهرة بل إنها أفضل من يروج لها !

وللثأر خصائص عدة تساعده علي النمو ومنها أن الثأر لا يتقادم بتقادم الزمان وامثلة ذلك كثيرة فكم من ثأر جُدد ماضية بعد مرور سنوات عديدة قد تتجاوز الخمسون عاما ، والاشد من ذلك أن من يٌقدم علي الاخذ بالثأر قد لا يكون عاصر ما حدث ولكنة يٌقدم علي الاخذ بهِ استجابة لدوافع في معتقداتهم الرجعية ، بل إننا وصلنا الي مرحلة المذمة والعار لمن تخلف عن الثأر ، حيث يُقال ” لا يأخذ بثأر ولا يحمي عار ” ، بالاضافة الي أن بعض العائلات التي تتسم بالعصبية لا يكون للصلح مكان فيها إذا ما قُتل قتيل عندهم ، ومن الامور التي تنذر بدمار لا  نهاية له هو عدم أخذ عزاء للقتيل لكي يكون ذلك امرا مًذكرا  لهم بالواجب الذي يجب أن يقوموا به وفقا لمعتقداتهم بل تعدي الامر الي حث النساء الرجال علي الاخذ بالثار وتحولت بيوتنا والمُفترض أنها تعد أجيال للحاق بركاب التقدم والنهضة ركيزتها الاخلاق والتربية الي بيوت تسعي الي تدمير نفسها دون إدراكها لذلك .

وبالنسبة لعلاج لهذه الظاهرة، فمن المؤكد أن تطبيق شرع الله  وإلزام الاطراف المعنية بالاحتكام لشرع الله يأتي في مقدمة الحلول لهذه الظاهرة .كما توجد  ابعاد يمكن من خلالها القضاء علي هذه الظاهرة منها ضرورة اهتمام علماء الدين بهذة القضية وتوضيح عقوبة الثأر من اجل استبدال هذه العادات وموروثات الثأر ، كذلك العمل علي نشر التعليم وبناء المدارس في مختلف القري ، بالإضافة الي دور المؤسسات الاقتصادية في تحويل تللك المجتمعات التي قد يبدوا انه لاتوجد قيمة لها الي مجتمعات تهتم بالعمل وتدرك أن قيمة الانسان ليست فيما يُروي عنه عبر الاجيال بمن أخذ بثأره ، وإنما بما يقدم الي وطنة من نفع وعطاء ، ايضا ضرورة العمل علي رفع الوعي بهذه الظاهرة واثارها علي الافراد والمجتمع وذلك عن طريق مراكز متخصصة لمعالجة ظاهرة الثأر او عن طريق المحاضرات التوعوية ، ولا ننسي الالتزام بأن  حمل السلاح بقانون سيكون له اثر ايجابي في الحد من هذه الظاهرة كذلك  تلغيظ العقوبات وضرورة تطبيق سيادة القانون

نفترق ولا نجد الطريق الآمن، تدفعنا أمواج العنف ونسينا بر الأمان، نثأر وننتقم دون وعي، فألم ندرك إنسانيتنا بعد؟