تسعي الدولة إلي تغطية حاجات مواطنيها من خلال ما يعرف بالموازنة العامة للدولة، التي هي عبارة عن تقدير مفصل للنفقات والإيرادات المقدرة خلال سنة مقبلة، ولكن يبدو أن واقع تجميع تلك الإيرادات، وإن كان يشمل معظم المواطنين، إلا أن إنفاقها لا يتضمن الجميع، بل قد لا يتضمن من هم أولى وأحق به أحيانا!

يتم جمع الإيرادات العامة بشتي الطرق والتي لا ينجو منها ذلك المواطن متوسط الدخل، بل ولنقل محدود الدخل، وإذا نظرنا لجانب النفقات نري أنه يتم إنفاقها دون مراعاة لمبدأ الرشاده! نعم دون مراعاة له، حيث نري أنه يتم الإنفاق علي الكماليات دون الضروريات، ولنعطي مثال علي ذلك.

هل من العقلانية أن نهتم بتزيين الشكل الخارجي دون الاهتمام بالجوهر؟! أم من المنطقي أن نهتم ببناء الطابق الثالث والرابع دون التأكد من صلابة أو صحة ذلك الأساس؟

إذا كانت الدولة تهتم بتزين تلك الشورارع من زراعة الأشجار وطلاء الأرصفة والمباني في المدن والمحافظات (كما هو الحال الآن في بني سويف، شرق النيل) وإن كنت لست معارضة لتلك الأعمال والمجهودات، ولكن من باب أولي ترتيب الأولويات، فحينما تعم الحياه الكريمة لجميع المواطنين وحينها فقط ينبغي علينا النظر إلي تلك الكماليات!

كما أن لعدم مراعاة مبدأ الرشادة أثر كبير بالإضافة إلي عدم وجود رقابة علي تلك الأعمال، فكثير ما نري أن الطرق يتم تجديدها خلال فترات قليلة وهي ليست بحاحة إلي ذلك إذا تم إنشائها من البداية علي أساس سليم، فنجد بعض الطرق تم إنشائها وبعد مرور خمسة أعوام أو أقل يتم تجديدها!! وإذا نظرنا في سبب التجديد أو الترميم نجد أن المبالغ المخصصة للطرق لم تذهب إليه وحده، بل ذهب نصفها أو أقل والباقي استخدم للأغراض الشخصية وليس للصالح العام.

مصطلح كماليات قد يبدو مبالغا فيه بالنسبة للبعض، ولكن لندع المنطق هو الذي يحكم بيننا !

أليس من الأجدر ترشيد تلك النفقات،  وبدلا من إنفقاقها فيما لا يحتم ضرورة إنفاقة يتم توجيها إلي ما كان يجب الانفاق والسعي فيه؟ أليس من الأولي إنفاق تلك المبالغ في بناء المدارس؟

بالفعل كان يجب فعل ذلك، فهناك بعض القري ما تزال حتى الآن لا يوجد بها مدارس أو حضانات! إننا نتحدث في الأساسيات ولم أقول مراكز شباب أو أندية ثقافية!

وهناك بعض القري التي يوجد بها مدرسة واحدة، ودعنا نري ما يمرون به!

من واقع حي “وهي قريتي”  نزله خلف بمركز اهناسيا، لا يوجد لدينا سوى مدرسة واحدة وهي خاصة بمرحلة التعليم الابتدائي ولا يوجد لدي تلك القرية حضانة حكومية!

وبالمنطق، لايوجد بها مدرسة إعدادية وكان أبناء القرية يذهيون إلي قرية مجاورة ويتحملون مشقة السير ما يقرب من ساعة للوصول إلي مدرسة القرية المجاورة ولكن هذه المشقة ليست السبب في تحويل تلك المدرسة الابتداءية إلي  مدرسة مشتركة تضم مرحلتي التعليم معا، بل كان السبب تلك المشاجرات التي تحدث بين أبناء القريتين والتي وصلت إلي حد خطير، ما استوجب فصل المدرستين من منطلق أن كل قرية تتحمل عبء أبناءها !

رأي البعض أن اشتمال المدرسة علي المرحلتين حل سليم! ولكنهم لم يستوعبوا عقوبات ذلك. لقد تحملوا  دون أن يدروا تكلفة كبيرة لا يمكن التغافل عنها، وأصبحت المدرسة تضم مرحلتي التعليم وبدأ الإهمال يزداد أكثر فأكثر. ماذا يدرس هؤلاء الطلاب والطالبات في فتره لا تتجاوز أربع ساعات؟ وكيف يتم تقسيمها وتوزيع الحصص؟ وما هو نصيب كل حصة من تلك الفترة القصيرة؟ فالطلاب يذهبون إلي المدرسة ليبدأ اليوم الدراسي في الثامنة صباحا وسرعان ما ينتهي  بهم ف الثانية عشر!  ليبدأ يوم دراسي جديد للفترة المسائية لا يتجاوز ثلاث ساعات إذ ينتهي بهم في الثالثهة عصرا !

متي يدخل المعلم الحصة ومتي يبدأ لكي ينتهي! إنهم حقا في مأساه لا يعلمها ولا يعيش حقيقتها الصعبة إلا أبناء تلك القريهة والقري المماثلة .

إذا كان الوقت المتاح للتعلم يتسارعون عليه، فما بالك بوسائل وإمكانيات التعلم؟ لقد أصبحت إمكانيات تلك المدرسة قليلة فلايوجد بها معامل كمبيوتر! ولا مكتبات للقراءة! ولقد استقر في اعتقادهم أن ما يكتب علي جدران مدرستهم مجرد  شعارات لا قيمة لها، فالواقع يؤكد بأن مدرستهم لا هي بالجميلة ولا المتطورة! فلماذا نكتب إذن “مدرستي جميلة ومتطورة”  وغيرها من شعارات لاجدوي من كتبتها بل إن كتبتها دون مسايرتها للواقع أصبح إهدار للموارد لا أكثر !

ربما اتضح الآن حقيقة كلمة كماليات، كان من الأجدر تزين تلك العقول والاهتمام بها بدلا من تزيين شوارع  والبحث عن أشياء لا طائل من الإنفاق عليها !

فإلي متي هذا التهميش! إلى متي نضع أيدينا علي أعيننا لنتغاضى عن مأساة هؤلاء وغيرهم! إلي متي نعرف المشكلة وسببها ونتكاسل عن أتخاذ حل لها؟ إلي متي نٌخرج أجيال ونطالبهم بحب الوطن والإخلاص لهٌ وهم قد عانوا في سبيل الحصول علي مقعد من أجل خدمه ذلك الوطن! هل بذلك نزرع فيهم الولاء للوطن !