أصبح الكثيرٌ منا لا يعرفٌ أهله حق المعرفة، حيث اقتصرت معرفة بعضنا البعض في حدود دائرة “أقارب علي ورق”.

إذا سأل كل منا نفسه عن آخر مرة زار فيها أقاربة أو أهله.. بل ولنقل آخر مرة اتصل بهم وسأل عن أحوالهم.. فسنجد الكثير منا لا يَملُك جواب يفتخر به بل لا يجد جواب يٌرضيهِ!

البعض منا يحاول إرضاء نفسهِ بحجة “مشاغل الحياة” وأنه ليس لديه ما يكفيه من الوقت ليقوم بزيارة أهلة أو صلة رحمة ، فمشاكل الحياة كثيرة ومتاعبها تزدادٌ يوما بعد يوم.. ولكنه إذا نظر وتمعن للحظة واحدة فيما قال ، لوجد نفسه علي خطأ! أي مشاغل تلك تٌلهيك عن زيارة من لهم حق عليك أي مشاغل تلك تٌنسيك أن تصل رحمك.. أن تقوم بإجراء أتصال بسيط لعم لك أو خال لجدتك أو جدك لغيرهم وغيرهم…

لقد وصل بنا الحال إلي وضع يٌؤسف عليه، إذا سألت أحدهم عن أحوال أبناء عمومته بل ولنقرب المسافة اكثر ولنقل أخر أخبار أخاه!  نجده لا يملكٌ رد … فلا يعلم الكثير عنه ، هل هو بخير أم لا ، هل هناك شئ يضايقه أو يحزنه ، بل وصل الحال بنا  إلي أن البعض منا لا يعلم أسماء أو أعمار أبناء وبنات أخوته وأخواته!  إلا ما رحم ربي.

حالنا هذا لم يأتي من فراغ، بل نحن من سرنا إليه!  فقد يكون قطع صلة الرحم بسبب الجهل لأنه لو أدركنا فضائل صلة الرحم ما قطعنها أبدا ، فالكثير منا يحفظ قولة تعالي “فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمي أبصارهم “ ولكن يبدو أن علمنا وحفظنا لهذه الآية دون وعي وإدراك، وهو ما يفسر ما نمر به الآن من قلة البركة وانتشار الفساد!

كذلك الانقطاع الطويل الذي يسبب الوحشة والنسيان، فالبعض منا لا يري أقاربة إلا في ظروف معينة أو في مناسبات محددة  أو كما يٌقال علي المواسم! وأيضا الاشتغال بالدنيا واللهو فيها ويبدو أننا نسينا قوله تعالي “وما الحياة الدنيا الا لعب ولهو”.

وقد يكون من أسباب القطيعة أيضا الشعور بالاستغناء عن الآخرين حيث تضيق نظرة البعض منا ويتوهم بأنه يستطيع أن يقيم حياة متكاملة داخل أسرته الصغيرة بمعزل عن أهله دون أن يدري أنه يظلم  نفسه وأسرته من فضل كبير وحاجة ضرورية يشعرٌ بها أصحاب الفطرة السوية، ولا ننسى  أيضا توريث العدواة للأبناء فعند حدوث خلافات شديدة غالبا ما يقطع القريب قريبه والأخ أخاه ولا يذكرهم أمام أبنائه إلا بسوء فينشأ الأبناء علي كراهية أهلهم وقطيعتهم.

ولكي يصل كل منا رحمه، يجب عليه أن يتذكر قوله تعالي “وأولوا الأرحام بعضهم أولي ببعض في كتب الله” فليتذكر كل منا بأن رحمه وأقاربه هم لحمه ودمه وعرضه الذي ينبغي أن يحوطة ويرعاه.

وإذا نظرنا في فضائل صلة الرحم، سنجد أنها دعوة للاستقرار النفسي والأمان لأن الإنسان إذا شعر أنه هناك من لا ينساه ولا يتخلي عنه من أقاربه ازداد شعوره بالأمان، ورأي من الدنيا محاسنها، ما يجعله أكثر توازنا في قرارته ومعاملاته، وإذا صحت العلاقات بين الأقارب انسد علي الإنسان باب عظيم من أبواب الهموم.

كما أن صلة الرحم إشباع للصغار ورحمة بالكبار، فالأبناء مع التواصل يشعرون بالعزة ويتشبعون حنانا وأمانا وتعاونا، وأما الكبار والعجائز فصلة الرحم تٌحييهم وتدفع عنهم ملل الوحدة ووحشتها وتشعرهم بالاهتمام والرضا عما قدموه.

فإلى متي نظل علي حالنا، ألم نجد في أقاربنا خصلة واحدة واحدة تٌحرك فينا عاطفة الصفح والعفو؟ ألا يكفي أن الله سبحانه وتعالي أوصي بالرحم وأمر بوصلها ونهى عن قطعها؟