تفقد الجامعات مبررات وجودها وتتراجع شرعيتها عندما تكون حبيسة جدرانها منعزلة عن مجتمعها لاتؤثر فيه ولا تتأثر به، وتكتفي بمجرّد نقل العلوم والمعارف المجرّدة دون إرتباط وثيق بالمجتمع وقضاياه، حينها تتراجع أهمية الجامعة لدى المجتمع ولدى طلابها أنفسهم بل ولدى العاملين فيها من الأساتذة الذين هم قاطرة نهضة المجتمعات والتغلب على مشكلاتها وأزماتها.

في مجتمعات حديثة، تعيد الجامعة تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة، إذ تحظى الجامعة بقدر كبير من الإستقلال يجعلها تتحمل مسئوليتها تجاه المجتمع حيث تتمتع بقدرة كبيرة على التأثير في صنع السياسات العامة وفي إحداث التنمية المحلية للمجتمع المحيط بها.

تشهد مصر تطبيقا لبرامج إصلاح إقتصادي تتضمن سياسات تقشفية تترتب عليها آثار إجتماعية بالغة الضرر بالنسبة للطبقات الوسطى والفقيرة، وتتعالى أصوات الخبراء بمطالبة الدولة بمراعاة جوانب العدالة الإجتماعية وتطبيق سياسات حمائية للطبقات الفقيرة تمنع إنهيارها جرّاء برامج الإصلاح الإقتصادي، فهل يكون للجامعة دور في حماية هذه الطبقات الفقيرة؟

أرى أن إقدام الجامعة على لعب دور إجتماعي كبير لمساعدة الطبقات الفقيرة -كأن تقوم بمساعدة الطبقات المتضررة في توفير التعليم المجاني لأبنائهم وتأهيل شباب المجتمع وتنمية قدراتهم ليتمكنوا من الإلتحاق بسوق العمل الذي ستستحوذ عليه بشكل شبه كامل الشركات الإستثمارية الكبرى التي يتطلب العمل فيها قدرات وخبرات كبيرة – هو من أهم السياسات الحمائية التي يجب على الدولة إتخاذها في الفترة المقبلة إذ ستمنع إنهيار الطبقات الفقيرة وستقلل من الإحتقان والغضب الشعبي الناتج عن السياسات التقشفية.

تحية شكر وتقدير حق علينا توجيهها لمحافظ سابق لمدينة بني سويف قرر تخصيص مساحة 300 فدان لبناء جامعة جديدة بالمحافظة مفضّلا بناء الجامعة بدلا من بناء منطقة تجنيد على هذه المساحة، وهو القرار الذي أغضب الكثيرين من أبناء المحافظة ممن كانوا يفضلون بناء منطقة تجنيد منعا لسفريات شباب التجنيد من أبناء بني سويف إلى محافظات أخرى لإنهاء إجراءات تجنيدهم، وهو ما يعكس عدم وعي مواطني بني سويف بأهمية الجامعة وآثارها العظيمة على المحافظة إذا تم إستثمارها بشكل صحيح.

في تنقلاتي الكثيرة بين القاهرة وبني سويف أقابل في طريقي طلابا من بلدان شتّى يأتون للدراسة في جامعة بني سويف بعد أن توسّعت وشملت كليات كثيرة لم تكن توجد إلا في جامعة القاهرة أو جامعات أخرى قليلة، مثل كليات الإقتصاد والعلوم السياسية والإعلام والألسن والعلاج الطبيعي والحاسبات والمعلومات فضلا عن كليّة الدراسات المتقدمة المتخصصة في الدراسات العليا للعلوم المتقدمة والتي لاتوجد كليّة مناظرة لها في مصر!

كان آخر من قابلت من الطلاب المغتربين والدارسين في جامعة بني سويف طالب صومالي حصل على منحة لدراسة الطب في مصر وتم توزيعه على كلية الطب بجامعة بني سويف، ولمست منه رضا كبيرا وإعجابا

بالدراسة في جامعة بني سويف بعد أن سألته عن حال الدراسة في الجامعة، فهل يعي القارئ الكريم أهمية هذا الكنز الإستراتيجي الذي باتت تمتلكه المحافظة والذي فضلا عن آثاره الإقتصادية المفيدة لأهالي المحافظة فإنه يشارك في ذيوع صيت المدينة المغمورة التي عانت الفقر والتهميش لعقود؟!

في حوار للسيد المحافظ المهندس شريف حبيب في أحد اللقاءات التليفزيونية أعلن عن رغبته وطموحه في أن تتحوّل مدينة بني سويف إلى منافس إقتصادي على مستوى مصر أولا ثم على المستوى العالمي، ولعّل توجيه السيد المحافظ مزيدا من الإهتمام لتطوير الجامعة الجديدة وتنمية دورها سيساهم في تحقيق تنافسية المحافظة على المستويين الوطني والعالمي فيما يتعلق بشئون البحث العلمي وتقديم الخدمات العلمية والدراسية.

هذا المقال نداء للرأي العام المحلي بمحافظة بني سويف عسى أن ينتبه لما تمتلكه المحافظة من كنز إستراتيجي يمكن تحويله لمشروع قومي للمدينة يكون عماد نهضتها ومنطلقا لثرائها العلمي والبشري والإقتصادي ، وكل ما يتطلبه الأمر إهتمام من المسئولين في المحافظة والجامعة على حد سواء، والأهم من ذلك وجود رأي عام محلي دافعا لتنمية دور الجامعة ومؤمنا بأهميته.

ختاما، أتمنى أن تنظّم الجامعة قريبا مؤتمرا علميّا بمشاركة مسئولين من المحافظة يناقش كيفية تفعيل دور الجامعة في تنمية المجتمع المحلي في بني سويف، وكيفية إستفادة المحافظة ككل من هذا التطوّر الكبير الحادث في جامعة بني سويف، والأهم من المؤتمر الذي يعقده المسئولون أن يعقد طلاب الجامعة وخريجوها مؤتمرات شبابية برعاية الإتحادات الطلابية وبرلمان الشباب لمناقشة كيفية تفعيل دورهم في خدمة المجتمع وكيفية الإرتقاء بمستوى التعليم في الجامعة، فهذا مصيرهم قبل أن يكون مصير المسئولين.