رغم مساهمتها بـ40% من الصادرات… النباتات الطبية بمنشأة أبو مليح في مهب الريح

رغم مساهمتها بـ40% من الصادرات… النباتات الطبية بمنشأة أبو مليح في مهب الريح

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

تتميز قرية منشأة أبو مليح، التابعة لمركز سمسطا بمحافظة بني سويف، بزراعة النباتات الطبية والعطرية، حيث تبلغ المساحة المنزرعة نحو 11 ألف فدان، يزرع بها 20 نوعا من النباتات، ومن بينها النعناع والريحان والشبت والبقدونس والبردقوش والشيح والكلانديولا والعطر، ما يعطيها ميزة تنافسية عالية جعلتها أشهر القرى على مستوى الجمهورية وعلى الصعيد العالمي، لجودة المنتج وارتفاع نسبة الزيوت فيها، غير أن هذه الصناعة الهامة تتعرض للإهمال الشديد، بتخلي الدولة عن دعم المزارعين سواء في خطوات الإنتاج أو التسويق.
هيثم جاد، مزارع، يقول إن زراعة النباتات العطرية بدأت في القرية منذ ستينيات القرن الماضي لما يميزها من تربة طينية جاهزة ومعدة لذلك، وتبلغ مساحة النباتات العطرية في زمام القرية حاليًا 600 فدان، وهناك محاصيل صيفية وأخرى شتوية، فالريحان صيفي والشيح شتوي، ويظل كلاهما في الأرض لمدة 6 أشهر، أما النعناع البلدي فيعد من المحاصيل الأساسية بالقرية، ويبقى في الأرض 35 يومًا، والنعناع الفلفلي يُحصد بعد 50 يومًا، وكثير من المزارعين يزرعون بجانب النباتات العطرية ذرة وقمح، لافتًا إلى أن تكلفة زراعة النباتات العطرية، خاصة الريحان، عالية، نظرًا لارتفاع أسعار الأسمدة وأجور العمالة، موضحا أن مزارعي قرية منشأة أبو مليح يتميزون بالخبرة العالية في زراعة النباتات الطبية والعطرية، لافتا إلى أن القرية يطلق عليها المنطقة الأوروبية، نظرا لتصدير منتجاتها إلى دول أوروبا لاستخدمها في إنتاج الأدوية والعطور.
معوقات الزراعة
ويضيف فؤاد محمود ياسين، مزارع، إن معظم مزارعي القرية يعانون من عدم كفاية إنتاج المحصول، لارتفاع أسعار متطلبات الإنتاج وعدم وجود سياسة سعرية ثابتة للمحاصيل، مشيرًا إلى أن تحكم التجار في أسعار المحاصيل يجعل صغار المزارعين أشد الناس احتياجًا للدعم من قبل الحكومة.
وتتفق معه أم محمد، مزارعة، مؤكدة أن أسعار مستلزمات الإنتاج وارتفاع تكاليف المحصول، تجعل المزارع في حالة من القلق الدائم، فرغم ما يبذله المزارع من مجهود إلا أن العائد الذي يحصل عليه قليل، لايتناسب مع مجهودهم، بفعل ارتفاع الأسعار وانعدام الفرص التسويقية وتحكم طبقة من التجار والسماسرة في أسعار المحاصيل، نظرا لعدم توحدهم وبيع زراعتهم بشكل فردي وعدم وجود منهجيه تجعلهم أكثر قوة وأكثر ضغطا في الحصول على هامش ربح يحقق لهم حياة كريمة.
وتابعت بأن “صغار الفلاحين يتكبدون مصروفات ونفقات كثيرة حتى موعد حصاد وتعبئة المنتج، ولكن هناك تجار جشعين يتحكمون في الأسعار ونحن مجبرون على البيع، نظرًا لعدم وجود أماكن لديهم لتخزين المنتج ولتعويض ما أنفقوه على الأرض الزراعية”.
نقص السماد
ويقول حاتم فتحي، مزارع، إن مديرية الزراعة توفر لنا جوال سماد واحد في الصيف، وآخر في الشتاء، وهذا لا يكفي لزراعة النباتات الطبية والعطرية، فنضطر إلى شراء الأسمدة من السوق السوداء بسعر 350 جنيها، وهو سعر أعلى من الجمعية الزراعية، التي نأخذ منها الجوال بسعر 200 جنيه، وهذا يسبب عبئا إضافيا على المزارع.
ويطالب فتحي وزارة الزراعة بالاهتمام بالنباتات الطبية والعطرية، نظرًا لأهميتها، التي تعود بالنفع على البلد بأكملها.
ويوضح سيد أمين، مزارع، أن بعض النباتات تتحمل إلى حد ما ملوحة التربة والمياه مثل البابونج والشمر والكسبرة، وبعضها شديد الحساسية للأملاح مثل الريحان والنعناع، كما أن النباتات الطبية والعطرية تتفاوت في احتياجاتها المائية فبعضها يحتاج لكميات كبيرة من المياه، مثل البردقوش وبعضها يحتاج لكميات قلية مثل الكسبرة، مشيرا إلى أنهم يضطرون لانتظار ارتفاع مياه الترعة مما يجعلهم في قلق مستمر على زراعتهم التي تحتاج للمياه.
ويضيف إسماعيل محمد، مزارع، أن النباتات الطبية والعطرية تتأثر بوجود نوعية ومدى انتشار الحشائش في التربة، فلا يفضل زراعة النعناع في الأراضي التي تنتشر بها الحشائش وخاصةً النجيل في حين تتحمل بعض الأنواع الأخرى مثل الريحان ووجود بعض الأنواع من الحشائش الحولية.
الأيدي العاملة
ويشير محمد إلى أنه لا ينصح بزراعة بعض الأنواع من النباتات الطبية، مثل الكمون في الأراضي الموبوءة بفطريات التربة ومسببات الذبول، ومن أهمها فطر الفيوزاريوم، موضحًا أيضًا أن بعض النباتات تحتاج لتوافر أعداد كبيرة من الأيدي العاملة مثل البابونج والكركدية والزعفران، وفي حالة عدم توافرها لا ينصح بزراعة هذه النباتات.
ويتابع بأن النباتات الطبية والعطرية تحتاج لتوافر الخبرة العملية، خاصة وجود خبرات بالجمع والحصاد والتجفيف، وفي حالة نقص الخبرة في أي من هذه العناصر يتأثر المحصول الناتج من حيث الكم والنوع.
خطوات التصنيع
ويقول محمد فايز، مزارع، إن غربلة المحاصيل تتم بطريقتين، الأولى يدوية، عن طريق غرابيل يقوم المزارع بوضع بضاعته على هذه الغرابيل ويقوم بتجيهزها، ويبدأ بغربال الثلاثات وهو غربال يفصل البتلات عن الحصى والعصى، ثم إلى غربال 20 وهو يفصل الأوراق العريضة عن الناعمة، والمرحلة التي تليهم هي غربال 28 ويفصل أجزاء ورقة النباتات عن ذرات التراب والحصى المماصل، وبعد ذلك غربال 50، وهو الذي يعطي المنتج بشكل نهائي خال من التراب والعصى والحصى.
ويشير إلى أن هناك مرحلة ثانية، وهي آلية، عن طريق استخدام الآلات، فتبدأ العملية الأولى بالمجرشة، وثمنها حوالى 11 ألف جنيه، وهي تقوم بفرم النبات الجاف واستخراج العصى عن زهوره، وبعد ذلك يأتي دور الهزاز وثمنه حوالي 30 ألف جنيه، وهو يحلل ما يخرج من المجرشة ويفنطها إلى نباتات وحصى وشوائب عالقة، والمرحلة الثالثة هي “الجرفت” وثمنه حوالي 90 ألف جنيه، وهو يأخذ ما يخرج من الهزاز ويحتفظ بالنبات المجهز، أما المرحلة الاخيرة التي يدخل فيها السلندر، الذي يقدر ثمنه بحوالي 11 ألف دولار، ويستورد من تركيا، ووظيفته استخراج العصب الموجود بالورقة، وبذلك تصبح درجة تجهيز السلندر 100%.
ويوضح جابر رمضان، تاجر، أنه يقوم بشراء المحصول من المزارعين معبئا في أجولة ويقوم بتفريغه وإدخاله ماكينات “سليندر” ليمر بمراحل التنقية عبر “سيور” قبل تعبأته في أجولة وتبخيره لنقله إلى القاهرة لبيعه لمكاتب كبار الموردين إلى الدول الأوروبية؛ معترفا بوجود بعض التجار الذين يحاولون التحكم في الأسعار، نظرًا لأن صغار المزارعين فور انتهاء غربلة وتنقية المحصول وتعبئته لا يجدون مكانًا لتخزينه فيسارعون لبيعه للتجار ونقله بالسيارات من مناطق الزراعات.
وطالب بوجود مستثمر أو مصنع بالقرب من الزراعات في قرى منشأة أبو مليح، وبدهل، وبني حلة، والعساكرة، حتى لا يتكبد المزارع نفقات النقل بالإضافة إلى تكاليف زراعة المحصول.
مستقبل المحافظة
وكان محافظ بني سويف، في بيان له، قد أكد أن صناعة النباتات العطرية ستشكل مستقبل المحافظة، نظرًا لأهميتها الاقتصادية الكبرى، خاصةً في مجال استخراج وتخليق المادة الفعالة التي تدخل في صناعة كثير من الأدوية والعطور، مشيرًا إلى أن المساحة المنزرعة من النباتات العطرية تبلغ 4% من المساحة الإجمالية للمحافظة وتستحوذ المحافظة على 40% من إجمالي صادرات مصر من النباتات الطبية والعطرية بقيمة 60 مليون دولار حاليا، لافتا إلى أن ناتج المحاصيل يمر بمراحل كثيرة حاليا ما عدا استخراج المادة الفعالة المستخدمة في صناعة الأدوية والعطور.
وأضاف أننا اتخذنا خطوات هامة منذ 6 شهور لإنشاء مجمع صناعي عالمي متخصص لاستخدام النباتات الطبية والعطرية في صناعة الدواء والعطور على مساحة 414 فدانا، بإشراف من إحدى الشركات العالمية بهدف مضاعفة نسبة الصادرات ومضاعفة فرص العمل للشباب، حيث تم عرض عدد من المواقع المقترحة لإقامة المشروع المقرر إنشاؤه على مساحة 414 فدانا أبرزها غرب مركز أهناسيا.
وأشاد المحافظ بالاستجابة السريعة لوزارة التجارة والصناعة وعقد عدة لقاءات في بني سويف ومقر الوزارة والهيئة العامة للتنمية الصناعية خلال الفترة الماضية لوضع دراسة شاملة لإنشاء المجمع من خلال فريق بحثي، منوها عن أن مجموعة العمل تضم مسؤولي الوحدات المحلية والقروية بما لها من دور في جمع المعلومات التي تخدم الفريق البحثي لإعداد دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية.
ويشير نبيل شيبة، محام، نائب رئيس مجلس إدارة إحدى جمعيات المجتمع المدني بمنشأة أبو مليح، إلى أن قرار محافظ بني سويف بإقامة مجمع صناعي لصناعة الدواء من النباتات العطرية قرار جيد جدًا، وسوف يساهم في حصول المزارعين على حقهم من خلال تعاملهم مباشرة مع كيان حكومي، فضلا عن تشغيل عمالة وشباب، خاصة من المناطق المحيطة بالمصنع، ولكننا نتمنى اختيار مكان إنشاء المجمع بالقرب من مركز سمسطا وتحديدًا قريتنا نظرًا لوجود مئات الأفدنة المنزرعة نباتات عطرية بها.
وكيل الزراعة يرفض التعليق 
ومن جانبه، رفض المهندس عبد العظيم عبد المجيد، وكيل وزارة الزراعة ببني سويف، التعليق على قرية منشأة أبو مليح، قائلًا إن لديه تعليمات بعدم الرد على أي جهة غير حكومية.

الوسوم