حدثني من أثق بحديثه أنه ذات يوم اصطحب ابنته – الزهرة الصغيرة- التي لم تكد تصل إلى الست سنوات إلى مدرستها التي كانت بها في مرحلة رياض الأطفال أو ما تسمى حديثًا بالطفولة المبكرة، وأراد صاحبي أن يلحقها بالصف الأول الابتدائي، لأنها بلغت السن المراد، والذي يتفق مع القانون المصري في تنظيم الالتحاق بالتعليم الابتدائي.

ليست هذه هي المشكلة، وإنما هي في الإرهاب الذي تلاقيه الزهور الصغيرة، فطلبوا من ولي الأمر سداد قيمة المقابلة ورسوم الامتحان الذي تؤديه الطفلة، وملء استمارة، عبارة عن ورقة واحدة، تسجل فيها البيانات الشخصية ودرجات الإختبار والمقابلة.
قلت لصديقي إذن المشكلة في المبلغ المالي الذي دفعته، فأجابني لا، فما المشكلة إذن؟

قال لي: اصطحبوا طفلتي إلى غرفة الامتحان بمفردها، نظرت إلى ابنتي التي قالت لي في الوداع: يا أبي إنني أخاف من الامتحان، تعجبت أنها فهمت الأمر، فقلت لها: لا تخافي بنيتي فأنت في مدرستك، بيتك الثاني، ورأيتها كأنها تساق إلى الموت أو إلى غرفة الإعدام…جلست المدرسة مع الطفلة ” المبكرة في الطفولة”، وأخذت تمتحنها بلا هوادة، في مناهج لم تأخذها في حلقات الدرس في دراستها في رياض الأطفال …ثم خرجت إلي وأخبرتني يا سيدي إن ابنتك لا تريد أن تتكلم، ألم تعلمها الشجاعة والإقدام وفنوان القتال، والإجابة بدقة على قدر السؤال، فقلت لها: هذه بضاعتكم رُدَّت إليكم، ابنتي تلميذة في مدرستكم، قالت لي: أعلم ذلك، لكنني شعرت أن المعلمة تتهمني بأنني لم أحسن اختيار مدرسة أبنائي ، أو أنني في البيت معلم، أحاسب على تعليمها، قلت له: المهم أين البنت الآن؟ قال لي في غرفة الامتحان؟ قلت له بمفردها؟ قال لي نعم، ثم دخلت المعلمة عليها ثانية، قلت له: هي أم أخرى؟ قال : هي ذاتها، قلت له: ولمذا لم يأتوا بإحدى المعلمات اللائي كنَّ يدرسن لها في رياض الأطفال، حتى تأنس بها الطفلة، قال: قلت لك يا صديقي إنه إمتحان، فيه يُكرم المرء أو يهان، المهم دخلت المعلمة وبنفس الأسلوب لتعيد عليها الامتحان، وتطلب منها الكلام، أو الاعتراف، وكأن ابنتي مضبوطة في جناية – معاذ الله- يحقق معها، ثم خرجت المعلمة وفي يدها ابنتي البريئة من التهمة، وفي عينيها دموع ينشق القلب لها، وتقول المعلمة أمام البنت: ابنتك لم تتكلم كلمة واحدة، يبدو أنها خائفة…حالة يا صديقي من اليأس تنتابني، وكأنني أسمع الشيخ الحصري يرتل: ” وإذا الموؤدة سئلت . بأي ذنب قتلت”، وقوله: “ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك”.

قلت له: ما دمنا في تحقيق: هل لديك أقوال أخرى: قال: علمت أن المعلمة مدرسة ” ألعاب “.
تلك أيها القارئ قصة من تجاربنا مع التعليم الخاص، صرخة في قلوب الآباء ودمعة في عيون الأطفال، وإرهاب للطفولة المبكرة، وتشويه للمستقبل في عيون أعز ما نملك، نبدؤه في أول درجة في سلم التعليم، وننتهي به عند عتبات الثانوية العامة وعند مفارق الطرق، نتعذب بأحلى شيءٍ خلقه الله، وهو العلم، بدلاً من أن نستمتع به، ككل شعوب العالم التي قدرت قيمته في صناعة الأجيال في خلق البسمة وعذوبة الروح.

فيا أيها المالكون للمدارس الخاصة: إذا كانت المشكلة في المال، خذوه واتركوا بسمة أطفالنا… وإذا كانت المعضلة في مستوى الطفل: ألم يتعلم في مدارسكم؟

إن التعليم مهنة أساسها الضمير، وهدفه صناعة الأجيال. وإن الإرهاب صياغة منذ الصغر يختبئ وراء الكبت والتجاهل والضيق والتضييق.

أيها السادة: علموا أبناءنا … ولا ترهبوهم… من أجل حياة أفضل.

  • كاتب المقال: عميد كلية الآداب – جامعة بني سويف