حرمان المرأة من الميراث.. عرف في الصعيد لا يقره الشرع والقانون

حرمان المرأة من الميراث.. عرف في الصعيد لا يقره الشرع والقانون صورة ارشيفية من المجلس القومي للمرأة على الفيسبوك

رغم أن الشريعة الإسلامية كفلت حق المرأة في الميراث، مثلها مثل الذكور، ورغم وجود عقوبة في القانون المصري لن يمنع المرأة من حقها في الميراث، إلا أنه في صعيد مصر لا تزال هذه الظاهرة موجودة حتى يومنا هذا، بسبب العادات والتقاليد، التي ترفض منح المرأة أموال أبيها من أراض وعقارات، في عرف يقره الواقع الاجتماعي، رغم ما في ذلك من آثار سلبية ومخاطر احتماعية تطال المرأة سواء على المدى البعيد أو القريب، بحسب ما يؤكده متخصصون الاجتماع وعلم النفس.

“السوايفة” يرصد حالات واقعية لنساء تعرضن للحرمان من الميراث، رغم قسوة ظروفهن المعيشية، في التحقيق التالي.

حالات واقعية

تقول منى أحمد، حاصلة على دبلوم، إننى متزوجة منذ خمس سنوات ولدى ثلاثة أطفال وزوجى ميسور الحال فلم أحتاج إلى المطالبة بحقى من ميراث والدى، ولكن عندما ألمحت إلى أننى لدى حق وجدت هجوما شديدا علي من أشقائي، واكتشفت أنهم استولوا على كامل الميراث من والدتي قبل وفاتها، معللين فعلتهم بأننى لست فى احتياج إلى الميراث وهم أحوج إليه مني، واكتفوا بمنحي مبلغ صغير من حقى فى المنزل وبيعه بأضعاف ثمنه.

وتضيف منيرة سيد، ربة منزل، أنه حين توفى والدها منذ سنوات وهى مقاطعة أشقائها بسبب الميراث، وحاولت كثيرا التواصل معهم بلا فائدة، مشيرة إلىأن زوجها متوفى وليس لديها أى عائد تعيش منه وتنفق على أولادها الأربعة، مشيرة إلى أنها تصورت أن أشقائها سيرق قلبهم لها ويعطوها حقها، لكنها تعرضت بدلا من ذلك للإهانة والمذلة لكى تجد عملا تعيش منه حتى وجدت عملا عند أحد الأطباء تقول إنها تدفع منه إيجار الشقة والباقى لا يكفى أسبوعا للمعيشة، ورغم ذلك تقول “لم أقدر على رفع صوتى أو التوجة للقضاء والوقوف أمامهم”.

وتردف هدى حسن، سيدة مطلقة، أن شقيقها الأصغر تعدى عندما عندما حاولت المطالبة بحقها الشرعى فى ميراث والدتها، وهو عبارة عن شقة كانت وهبتها اياها والدتها قبل وفاتها، لكن شقيقها رغم أنها مطلقة، وليس لها مكان تعيش فيه، وشقيقها يعيش حياة رغدة ولا يحتاج للشقة، فلجأت للقضاء لأخذ حقها، لكنه لجأ لتزوير الأوراق وبالتالي لم يعد لديها ما تثبت به حقها.

تحقير المرأة

وتبين نادية محمد، ربة منزل، أنها تعانى من تحقير البنت وإهدار حقها، مضيفة “ما رأيته فى أسرتنا هو تمييز الولد على البنت فى كل شىء”، مردفة أنها منذ تزوجت وأنجبت لم تجد سوى الكره لزوجها من أشقائها والخوف من أن يأخذ شيئا منها، واستولوا على ميراثى ولم يعطونى إلا 15 ألف جنيه، ويقولوا بأن المرأة أن خرجت لبيت زوجها لا تستحق أن تأخذ شيئا من بيت أبيها غير ثيابها.

ويضيف سعد عبدالغفار، محكم بالمجالس العرفية، أنه يعرض علينا العديد من المشكلات التى تخص حرمان المرأة من ميراثها، مشيرا إلى أننا نحاول حل المشكلة وإعطاء المرأة حقها بعد عدة جلسات بين الطرفين، لافتا إلى أن الخق يكون بسيطا لكن المرأة ترى أنه أفضل من لا شىء، فالقرى بها تقاليد عمياء، رغم نسبة التعليم التى تصل 70% لكن العرف فيها أنه لا يحق للبنت أخذ أرض أو عقارات، وينظرون إلى أنهم يقومون بتربيتها وتجهيزها، عوضا عن الميراث، مؤكدا أن هذا حق المرأة الشرعي.

حكم مانع الميراث؟

ويقول الشيخ رجب حسين عبد اللطيف، مدير إدارة أوقاف الواسطى، أن حرمان المرأة من حقها الذى شرعه الله فى كتابه حرام ففى
قوله تعالى “للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلّ منه أو كثر نصيباً مفروضا”. وقال أيضا “يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كنّ نساءً فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف… فريضة من الله”.

ويضيف” عبد اللطيف أن حرمان الأنثى من الميراث يعد من أمر الجاهلية، وقد أبطله الإسلام، وفرض لكل صاحب نصيب نصيبه، والذي يحرم المرأة من نصيبها فقد اغتصب هذا الحق وأكل مالا حراما بالباطل، وكان متعديا لحدود الله تعالى، وعمل بعمل أهل الجاهلية فاستحق بذلك وعيد الله، وسيكون وبالا عليه يوم القيامة، وقد توعد الله المخالفين بعذاب أليم كما وعد الملتزمين بثواب عظيم.

عقوبة قانونية

ويؤكد عبدالقادر القاسى، نقيب المحامين بالفشن إن ظاهرة حرمان الإناث من الميراث تنتشر في الصعيد، خاصة في القرى والقبائل، التي ترى أن المرأة تكون مسؤولة من زوجها ولا يحق لها ورث أبيها، خاصة وإن كان الزوج من خارج العائلة، وهذا يشعر الأنثى بالغربة إذا ما تزوجت من خارج العائلة، مما يجعل الذكور من أسرتها حريصين كل الحرص على ألا يخرجوا أموال الأسرة لها، باعتبار أن زوجها غريب، وهذه النظرة القاصرة قد أبطلها الإسلام بإقراره الحق الشرعى للمرأة وجرمها القانون وأعطى المرأة حق المطالبة بالميراث.

ويشير المحامي إلى أن القانون فى السابق كان لا يعاقب بالسجن، لكن نظرا لكثرة القضايا الخاصة بالميراث، تم إضافة مادة تعطى المرأة حقها وتعاقب المستحوذ بالحبس مده لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على سنة، وبغرامة لاتقل عن ألف جنيه، ولاتجاوز عشرة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

مخاطر اجتماعية

على أن حرمان المرأة من الميراث لما يخلو من مخاطر اجتماعية وأثار نفسية بحق المرأة، حيث يقول دكتور أيمن البارودى، استاذ علم الاجتماع بجامعة بنى سويف، أن حرمان المرأة من ميراثها نوع من الظلم الاجتماعي لها، وتكريث للحقد النوعي والغيرة والتمييز بين الأحفاد، العاصببن وغير العاصبين، وتخلق تفسخ في شبكة العلاقات بين الأبناء المنحدرين من أب وأم واحدة، بل ويمتد الخلاف والحرمان إلى الأجيال المقبلة، مما يولد حقدا دفينا ومتوارثا قد يفضي إلى التقاتل في بعض الأحيان، مؤكدا أن غض المجتمع بصره عن ذلك يعرضه لخطر التفكك الاجتماعي ويصبح ساحة للصراعات القبلية والقرابية، لذا يجب على مؤسسات الدولة توعية الناس بتلك الحقوق عن طريق الندوات والخطب والتعليم المستنير.

آثار نفسية

أمام الدكتور أحمد عبد الوهاب وكيل استشاري علم النفس، فيقول إن الإسلام راعى الجانب النفسي للمرأة فأعلى من شأنها، خاصة في جانب الميراث، وهذا يرفع من مستوى سمات شخصيتها، مثل الثقة بالنفس وتقدير الذات، وليس هذا فقط فلها كل ما لأخيها الذكر، وذلك ما لشئ إلا ليسد حاجتها النفسية من حيث الافتقار والاحتياج للغرباء وهذا نفسيا إحساس بالاطمئنان، ويقلل احتمالية تعرضها للاضطرابات النفسية والانحراف السلوكى والأخلاقي، فصدق الله حين قال ما فرطنا في الكتاب من شيء ومن هنا أثبتت البحوث النفسية أن المراة التى تحرم من ميراثها الشرعي بنسبة ٨٥٪ معرضة للأصالة بالاكتئاب والشعور بفقدان الأمن النفسي مما يؤدي بطبيعة الحال إلى أن تصبح صيدا رخيصا وسهلا للذئاب البشرية، وعلى المستوى البعيد تصبح ناقمة على أولادها الذكور وبلا شعور تذهب للتمييز بين الإناث والذكور، ولهذا فإن استيعاب المرأة المعرضة للعنف أو المعرضة لفقدان حقوقها نفسيا يجنب المجتمع الكثير من الصراعات، ويعمل على تنشئة أجيال متسامحة وغير معقدة.

الوسوم